السيد الطباطبائي
403
تفسير الميزان
نعم حملهم على هذا الزعم ما تلقوه : من جمع من أرباب النحل الباحثين عن هذه المسألة وأمثالها في فلسفة عامية كانت تنشرها الكنيسة في القرون الوسطى . أو يعتمد عليها الضعفاء من متكلمي الأديان الأخرى وكانت مؤلفة من مسائل محرفة ما هي بالمسائل ، واحتجاجات واستدلالات واهية فاقدة لاستقامة النظر . فهؤلاء لما أرادوا بيان دعواهم الحق ( الذي يقضي بصحته إجمالا عقولهم ) ونقله من الاجمال إلى التفصيل دفعهم ضعف التعقل والفكر إلى غير الطريق فعمموا الدعوى ، وتوسعوا في الدليل ، فحكموا باستناد كل معلول مجهول العلة إلى الله سبحانه من غير واسطة ، ونفوا حاجة الأفعال الاختيارية إلى علة موجبه ، أو احتياج الانسان في صدور فعله الاختياري إلى الاله تعالى ، واستقلاله في فعله ، وقد مر البحث عن قولهم في الكلام على قوله تعالى : ( وما يضل به إلا الفاسقين ) البقرة - 26 ، ونورد هيهنا بعض ما فيه من الكلام . وطائفة منهم - وهم بعض المحدثين والمتكلمين من ظاهريي المسلمين وجمع من غيرهم - لم يقدروا أن يتعقلوا معنى صحيحا لاسناد أفعال الانسان الاختيارية إلى الله سبحانه على ما يليق بالمقام الربوبي فنفوا استناد مصنوعات الانسان إليه سبحانه ، وبالخصوص فيما وضعه للمعصية خاصة كالخمر وآلات اللهو والقمار وغير ذلك ، وقد قال تعالى : ( إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه ) المائدة - 90 ، ومعلوم أن ما عده الله سبحانه عملا للشيطان لا يجوز أن ينسب إليه . وقد مر فيما تقدم ما يظهر به بطلان هذا التوهم نقلا وعقلا ، فالافعال الاختيارية كما أن لها انتسابا إلى الله سبحانه على ما يليق به تعالى كذلك نتائجها وهي الأمور الصناعية التي يصنعها الانسان لداعي رفع الحوائج الحيوية . على أن النصاب الواقعة في الآية السابقة هي الأصنام والتماثيل المنصوبة المعبودة التي ذكر الله سبحانه أنها مخلوقة له في قوله : ( والله خلقكم وما تعملون الآية ، ومن هيهنا يظهر أن فيها جهات مختلفة من النسب ينسب من بعضها إلى الله سبحانه وهي طبيعة وجودها مع قطع النظر عن وصف المعصية المتعلق بها ، فإن الصنم ليس بحسب الحقيقة إلا حجرا أو فلزا عليه شكل خاص وليس فيه ما يوجب نفي انتسابه إلى موجد كل شئ ، واما أنه صنم معبود دون الله سبحانه فهذه هي الجهة التي يجب